الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
133
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] أي لا يفعل إلّا العدل . وعديّ « قائما » بحرف ( على ) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة . و ( ما ) من قوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر ، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزم حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية . وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف ، ولكنها مستفادة من موقع ( ما ) في سياق كلام يؤذن بالزمان ، ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرّف من مادة دام ومرادفها . و ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤدّه إليك إلّا في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه . والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة ، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء ، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعد الموت . والاستثناء من قوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً يجوز أن يكون استثناء مفرّغا من أوقات يدل عليها موقع ( ما ) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلّا زمانا تدوم عليه فيه قائما فيكون ما بعد ( إلّا ) نصبا على الظرف ، ويجوز أن يكون مفرّغا من مصادر يدل عليها معنى ( ما ) المصدرية ، فيكون ما بعده منصوبا على الحال لأنّ المصدر يقع حالا . وقدّم المجرور على متعلقه في قوله : عَلَيْهِ قائِماً للاهتمام بمعنى المجرور ، ففي تقديمه معنى الإلحاح ، أي إذا لم يكن قيامك عليه لا يرجع لك أمانتك . والإشارة في قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إلى الحكم المذكور وهو إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب . والباء للسبب أي ذلك مسبب عن أقوال اختلقوها ، وعبّر عن ذلك بالقول ، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد ، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب . وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم ، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة . وحرف ( في ) هنا للتعليل . وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات ، تعيّن تقدير مضاف